بلدنا نيوز
رأي بلدنا

حاتم عيسى يكتب: حواديت الوجوه

حاتم عيسى
حاتم عيسى


الوجوه شوارع وحكايات، يختلف مذاق كل وجه عن الآخر كما تختلف مذاقات الشوارع، هناك وجوه مسطحة كشوارع الأماكن الراقية لا أنس بها ولا دفء، وهناك وجوه تبوح لك بأسرارها في النظرة الأولى، وإذا كان الشاعر الكبير بدر شاكر السياب يعتبر وجوه العجائز قصيدة للموت الذي لا ينتهي عندما قال:
فأوجه العجائز
أفصح في الحديث عن مناجل العصور
من القبور فيه والجنائز


فأنا أعتبر وجوه العجائز سيمفونية تعزف لحن الحياة الذي لا ينتهي، أعتبرها نوافذ على قلوب عاشت وقاست وتعلمت وأتى دورها لتعلم غيرها، وإذا كان للوجوه طعم أماكنها.

فوجه عم بخيت له طعم حي الجمالية،، رأيته للمرة الأولى عام 2004 قادما من أول شارع الخرنفش يجر عربة فاكهة خشبية، أسواني يقترب من الخامسة والثمانين طوله متر واحد يرتدي جلبابا بلديا يلف وسطه بحبل ساقاه نحيلتان كعودي كبريت وفي قدميه حذاء ضخم لا يتناسب مع صغرهما وعلى رأسه عمامة صخمة كالفرن البلدي، في طريقه يلقي السلام على كل أصحاب المحلات، وأمام ألبان الشاذلي يحط رحاله ويخرج كرسيا من عربته وقبل أن يجلس ينادي القهوجي: هات شاي بحليب وشيشة يا ولد، يقول ولد بكسر الواو بلغته الجنوبية.

كعاشق للوجوه اقتربت منه لأراه عن قرب وأرى بضاعته التي يبيعها، فوجدت بعض ثمار الخرشوف والنبق والحرنكش، والتي لا يساوي سعرها جميعا ثمن حجارة الشيشة التي لا تفارق فمه ليل نهار، لما دققت النظر لوجه الرجل انتابني يقين أن هذا الرجل هو أحد بناة الجمالية في الزمان القديم، وأن الله أبقاه ليحدث الناس عن الجمالية في صباها الحلو البعيد، ذهبت مرة لأشتري منه فوجدته نائما ومبسم الشيشة في فمه، ناديته برفق فلم ينتبه ،حركته حركة خفيفة، فأفاق ولم ينظر إلي بل نظر إلى حجر الشيشة فوجده مطفأ، فصاح بالقهوجي: أنت سايب الحجر مطفي يا بوي وأنا عمال أقول بحلم بكوابيس ليه ؟ رد القهوجي : يعني أجيب لك حجر وأنت نايم هتشربه إزاي؟ قال له : لو ميت هشربه يا بوي، لما أموت ادفنوني هنا وحطوا فوق قبري شيشة، كل هذا ولم يسألني ماذا أريد وأنا أسمع حوارهما.

وفجأة رنت زغاريد في حارة البرقوقية المجاورة وعلا صوت الأغاني إعلانا بفرحة قادمة، فأخد الرجل عكاز رجل جالس بجانبه وأخذ يرقص في الشارع كطفل صغير فرحان ومر به الصول حمامة كروان الخرنفش فأخذ يغني له والناس يصفقون له مبتهجين ليصبح الشارع مهرجانا مشاركا للفرحة المنتظرة، ذات ليلة مررت عليه بصحبة أستاذي الدكتور فتحي عراقي الرجل الجميل المنير وما إن اقتربنا من عم بخيت حتى هم الرجل بالوقوف احتراما فوضع الدكتور فتحي يده على كتفه في رفق ليجلس وقال له : إزيك يا بخيت ؟ قال بخيت بفتح الباء، فرد عم بخيت: الحمد لله يا دكتور ربنا يخليك لينا.

مرور الأيام توثقت علاقتي بعم بخيت وأحيانا كان يقف بعربته أمام المحل الذي أعمل به فيأتي ليقف معي ويحكي لي عن ذكرياته في كل حواري الجمالية في كل هذه السنوات الطويلة ثم يهتف في شجن : يااااااااا بوي ده الواحد شاف نااااااااس!!

مرت سنوات ثم قامت الثورة، كان الرجل قد تجاوز التسعين وجدته يقف أمامي للمرة الأولى بدون عربته فسألته عنها فقال بسخط: سرقوها ولاد الكلب، كانت هذه هي المرة الأولى التي أرى فيها الرجل عجوزا كسيرا فعلا وكأنما كانت العربة هي شبابه وعنفوانه، أعطيته ما فيه النصيب فأخذه بحياء من لم يفعل ذلك وقال شاكرا: ألف شكر يا بوي، قلت: العفو يا عم بخيت ده حقك علينا، بس بلاش تشرب شيشة هات أكل أحسن، قال بحزن : هشرب حجر واحد وآكل بالباقي تسلم يا بوي، ثم اختفى وذاب في زحام الحياة كما يختفي كل حلم جميل.

حواديت الوجوه الجمالية بخيت الثورة

رأي بلدنا