بلدنا نيوز
فن وثقافة

إلهام بوصفارة تكتب: صفات الجملة الشعرية

إلهام بو صفارة
إلهام بو صفارة

في الكتابة الإبداعية:

نزال إلى حدّ ما- نؤمن بضرورة أن يكون المبدع موهوبا أولا، ثم يكافح بنفسه حتى ينضج، قبل أن يعترف به رسميا ككاتب.

بعض المقولات الكلاسيكية مثل: لتكون شاعرا احفظ ألف بيت من الشعر ثم انسها بعد ذلك، أو اقرأ لكلّ من سبقوك وانسَ أنك قرأت لهم لتتعلم كتابة الرواية، هذه الأفكار كانت متوهّجة وتتردّد كثيرا.

لكن اليوم توجد كتابات جديدة وخامات جديرة بالالتفات إليها، لم تنبت في صحراء حفظ أبيات الشعر ونسيانها، وقراءة روايات الجميع ونسيانها لتعلّم الإبداع، فقد كانت مختلفة تماما، ويمكن بقليل من الإرشاد أن تصنع منها نصوصا أخاذة

وورشات الكتابة هي اعتراف ضمني أو معنوي بأنّ الكتابة يمكن أن تُتعلّم، أو بالأحرى تُطوّر. وقد تجد لدى من يملكون بدايات مبشّرة حاجة إلى تطوير كتاباتهم. ففكرة تعليم الكتابة الإبداعية في المدارس والمعاهد مثلها مثل أيّ علم من العلوم التطبيقية الأخرى المعروفة، يحتاج إلى تدريب مكثف ومحاضرات وغيرها من الأنشطة.

فمسألة التدريب الكتابي المحترف ممكنة. وهنا لا أريد أن نلغي دور الموهبة، ولن نسمّيها الموهبة، ولكن نسمّيها حبّ الكتابة، فالذي يحبّ الكتابة، يمتلك من الصبر ما يجعله يناضل لينال الثقة ويكون كاتبا

 

(النصّ السند:  "مبتدأ ظل يتأخر " للكاتب التونسي عادل مفتاح)

مبتدأ ظل يتأخر

{ مبتدأ ظل يتأخر تتناثر الكواكب في السماء كأزرار يوشّي بريقها بدلة الليل السوداء. في هذا الفضاء الرحب يموت تحليق الفراش، وتلتحف الذكرى سواد الغيوم. يتكدّس الظلام على الظلام لتأثيث حكايات أرهقها الغياب حكايات غيم تشتت بالسماء بينما يخلع البحر موجه وزرقة مائه فتمتد الأيادي مرتبكة تقضّ ثبات القصيد تطلع الأحلام متلعثمة الألوان كظلال تترنح سكرى بالأنين حين يتصلب ناء الرجاء. وتغني الطيور على أنقاض الركام والخراب فتأجل الأقدار أفراحنا لما بعد الفرح ويتدفق الزمن مثل الرصاص. لا تسأل الجهات زوايا العبور فكل الزوايا مكسورة الأضلاع. في هذا الوطن، باهت لون العلم بارد حزن النشيد الوطني. لا قشعريرة فيه للبدن ولا دوران للدم المعتصم بأروقة الجسد. كنتم المبتدأ الذي ظل يتأخر وستتوارثون عن جدارة وبكل اقتدار ذلك الرقم الدائري تصلبون على قوافي القصائد كل شريف غيّر بالكلمات مجرى تاريخكم المكلل بالفشل والخيبات المهينة لتغطوا أنتم في زيف المديح.تأتي الحروف كالغيمات لترسم بين سواد السطر والسطر سبات البيض.ينام البياض كي يتغاضى عن فداحة العبث لينطلق من السواد الأنين غداة وجع يمعن في انطباق العويل على رفات النخيل. يتقزم النخيل يتضاءل يتضاءل ثم يطلع باكيا وجه القمر ترقبه وجوه أطفال خاوية الملامح يوهمون بكذبة العيد يولدون ليلا ويشيخون ذات شروق.}

بعد قراءة النص مليّا أثرنا الأسئلة التالية:

  • حين كتب عادل مفتاح نصّه هل كتبه شاعرا أم قاصّا؟
  • لو تأمّلنا هذا النصّ لتساءلنا ما الإشكال فيه؟ في مستوى اللّغة؟ في مستوى الصّورة أم في مستوى المعنى؟ وممّ يتولّد المعنى؟

ثمّ وقفنا عند شهادة جماعيّة لصاحب النصّ اجملناها في النّقاط التالية:

° له من التحصيل اللّغويّ الذي يمكّنه من الإنتاج. فالكلمة هنا فصيحة بليغة والجملة سواء أ كانت اسميّة أم فعليّة لها معنى مستقلّ ومفيد يكتفي به المتكلّم والسّامع.

° في مستوى التخييل الصّور جميلة لا تخلو من تخييل شعريّ

° يكتب على السّليقة ببعض اللّغة وبعض المعارف.

لكن هل تكفي هذه الأدوات لنبدع؟

انتهينا إلى أنّ ملامسة الخلل في هذا النصّ: ضعيف في مستوى الاتّساق.

الملاحظة الأولى:

المعنى يتولّد من الاتّساق النّصّي. فكلّ كلمات متجاورة ومترابطة تشكّل جملة دالّة على معنى في سياق نصّ شعريّ أو نثريّ. ولهذا الاتّساق علاقة بالقارئ لأنّه يوضّحه ويبنيه بفضل تتبّعه لـ :

ــ بعض الإحالات. فالجمل المحلّيّة كيفما كان نوعها لا تكتفي بذاتها من حيث التأويل إذ لا بدّ من العودة إلى عناصر أخرى سابقة ولاحقة لفهمها وتفسيرها حتّى يتمّ اتّساق النّصّ وفكّ شفرته بنجاح. فالجمل هي عناصر لا تملك دلالة مستقلّة. فشرط وجودها هو النصّ من جهة ومعرفة ما تشير إليه من جهة أخرى وهذا النصّ يفتقر إلى الإحالات النّصّيّة (الإحالات هي العلاقات الاسترجاعيّة بين عنصر وعنصر في السلسلة النّصّيّة) لذلك يقف القارئ أمام هذا النص عاجزا عن فهمه لتشتّت العناصر فيه وعدم اتّساقها.

فالنّصّ يحتاج إعادة بناء حتّى تتحقّق دلالته. ولو تأمّلنا بعض الجمل لوجدنا أنّها تحتاج حذفا وأخرى تحتاج تكرارا لتحقيق هذا الاتّساق.

الملاحظة الثانية:

تبدو اللّغة في هذا النّصّ شعريّة. تستمدّ أبعادها التعبيريّة والجماليّة من خلال وعي الذّات المبدعة بالمكان والزّمان والانفلات المتدرّج من حدود التجنيس. ولهذه الجمل الشعريّة طاقة تخييليّة قادرة على صوغ صور شعريّة لا محدودة حمّالة لطاقات إيحائيّة تتناسب كثيرا مع مناخ الكتابة الشعريّة ولا سيّما قصيدة النّثر. فقط هي تستدعي بالإضافة إلى حاسّة الأذن الإدراك البصريّ لأنّ الكتابة الشعريّة الحديثة أصبحت تستثمر التشكيل البصريّ أي التعويل على البياض في البناء الشعريّ لأنّ الكتابة الشعريّة تقتضيه لأنّه صمت يحيط بالقصيد.

والبياض والسّواد في القصيدة المعاصرة يرتبطان ارتباطا وثيقا بالحالة الشعريّة ويعتبران محدّدا صوتيّا إيقاعيّا دلاليّا له عمقه وتجلّياته بل هو وسيلة من وسائل توفير الإيحاء وإيصال الدّلالة للقارئ.

والتنقيط أيضا يشكّل بعدا إيقاعيّا مهمّا. فالشاعر الواعي يوزّع ألحان قصيدته مثل المهندس يرسم الخطوط والبياض وفق تجاربه ومهاراته ومقاصده.

هذا النص اتّسم بحضور قويّ للجملة الشعريّة وهو المصطلح المناسب لهذا اللّون الكتابي الذي يأخذ من الشعر طاقته التصويرية ومن النثر عبارته المتّشحة بالبلاغة والجمال. وبما أنّ الشعر هو مادّة لا زمانيّة فهو الأجدر أن يستوعب مثل هذه التراكمات اليوميّة. وهذه الجملة خاضعة لصفات الإيقاع والتحكّم والتّحوّل وتخضع للحالات الشعوريّة ولطبيعة التعبير عن الواقع الحياتي. ولا نسعى إلى عرض تعريفات الجملة الشعريّة وأنماطها وتقسيماتها وأركانها وخلافات القدامى والمحدثين حولها. ولكن سنحاول عرض تعريف بسيط هو: كلّ لفظ مفيد مستقلّ بنفسه مفيد بمعناه" وليس للجملة طول محدّد لأنّ المهمّ فيها خاصّيّة الإسناد.

وفي ضوء هذه الملاحظات وبعد محاولات عديدة اشتغلنا فيها على هندسة النصّ هندسة أخرى متشابكة الخطوط تقوم على "الصّوت" و"الصّمت" والبياض والسّواد، استقرّ رأينا على الزجّ بهذا النّصّ في قصيدة النثر وأصبح النّصّ شكلا ومحتوى على النّحو التالي:

 

مبتدأ ظلّ يتأخر

تتناثر الكواكب في السماء

 كأزرار يوشّي بريقها بدلة اللّيل..

في هذا الفضاء الرحب، تلتحف الذكرى سواد الغيوم

ويتكدّس الظلام على الظلام

لتأثيث حكايات أرهقها الغياب..

في هذا الفضاء تطلع الأحلام متلعثمة الألوان

كظلال تترنح سكرى بالأنين..

ويتدفق الزمن مثل الرصاص

في كلّ الجهات..

والجهاتُ لا تسأل زوايا العبور

 فكل الزوايا مكسورة الأضلاع

في هذا الوطن المهين..

وتغنّي الطيور على أنقاض الركام والخراب

فتؤجل الأقدار أفراحنا لما بعد الفرح..

باهت لون العلم..

حزين نشيد الوطن..

لا قشعريرة فيه للبدن

ولا دوران للدم المعتصم بأروقة الجسد..

ويتدفق الزمن مثل الرصاص..

فتمتدّ أياديكم مرتبكة تُقضّ مضجع القصيد

فتصلبون على القوافي كلّ شريف

غيّر بالكلمات مجرى التاريخ

لتغطّوا في زيف المديح..

كنتم المبتدأ الذي ظل يتأخر

يتأخّر.. يتأخّر..

حتّى أتت الحروف كالغيمات

لترسم بين سواد السطر والسطر سبات البياض

ينام البياض كي يتغاضى عن فداحة العبث

وينطلق من السواد أنين

يميت تحليق الفراش

ويقزّم النخيل

فيتضاءل.. يتضاءل..

ثم يطلع باكيا وجهُ القمر

فترقبه وجوه أطفال خاوية الملامح

يولدون ليلا ويشيخون ذات شروق.

بلدنا نيوز

فن وثقافة