بلدنا نيوز
فن وثقافة

إسراء هيبة تكتب ”حورية”

إسراء هيبة
إسراء هيبة

-الحقيقه أن هناك كيس ما، له شكل غريب ونادر ويلزم المزيد من الفحوصات والتحاليل...

هذا ما قاله الطبيب حينما ذهبت إليه مع أمي أول أمس أشكو بألم أسفل البطن ومغص لا يحتمل، حينما كشف الطبيب علىَ، أكد ضرورة إجراء أشعه بالصبغة لأسفل البطن، ورغم صغر سني لم يمنع هذا جهاز السونار أن يكشف عن كيس كبير يحاصر مبيضي الأيمن ويضغط عليه، الأمر الذي أدهشه وجعله يسألني للمرة الثانية "حضرتك آنسه ولا مدام ؟"، ولكن حجم الرحم الصغير أكد له دون أن أنطق أنني آنسة، وكذلك وجه أمي.


في غرفه الأشعة كان الرد القاطع له هذا نوع نادر من الأورام التي تحتوي علي شكل بويضات، كجنين السمك وعلينا أخذ عينة منه لنعرف إذا كان حميد أم لا؟!، عين أمي تفيض بالدموع ويدها ترتجف تضمني بقوة، تقبل يدي ونمضي إلي البيت.


لا أعرف ما هذا الهدوء الذي حاصرني في العودة رغم صوت بكاء أمي، نظرت من شباك الميكروباص متذكرة محل أسماك الزينة في شارع بيت جدتي القديم، عندما كنت أترك يدها إلي داخله، لم تكن تعنفني بل تدخل خلفي باسمة لجارنا العجوز الطيب الذي شهد مراحل صباها وطفولتها في نفس المكان، ومع ذات الأسماك الملونة تستفسر عن حالة ثم تذكر لي أنواع الأسماك وألوانها وماذا تأكل ؟، وكيفيه الاعتناء بها، الغريب في الأمر أنني كنت أري الأسماك مقلوبة وكنت أسألها
ماما "ليه كل الأسماك مقلوبة ؟!".


تنظر لوجهي بتعجب وتجعلني أغلق عيني وأفتحها مؤكدة لي أنها تتحرك وأن الأسماك لا تنقلب إلا حين تموت، من شدة خوفها ذلك اليوم طاوعتها أنني أراها تتحرك وأنني كنت أمزح فقط، عند خروجنا من المحل لم يكن لي سوي أمنية واحدة أن أكبر يوما وأحرر كل تلك الأسماك إلي البحر..
في البيت بكي الجميع أبي، أخي، أختي الصغرى، قال لها أبي "ربنا يجيب العواقب سليمه ربنا كبير ولسه التحليل بإذن الله يطلع حميد وتبقي زي الفل"، أمي تبكي يضمها ليهدأ من حدة دموعها وأنا أنسحب إلي الغرفة أخلع ملابسي وأنام .


في الحلم جاءت لي عروس البحر بذيل أزرق لامع تجلس علي صخره في وسط الأمواج، تشير بيدها لي أن ألحقها إلي الأعماق لكني علي الشاطئ أحرك رأسي يمينا ويسارا دون أن أنطق بالكلمات، أنظر إلي قدمي وإلي يدي الخالية من الزعانف، تبتسم وتغطس من جديد وكأنها تعدني بزعانف وذيل عما قريب لأسبح معها..
اليوم نتيجة التحليل، يقطع أبي الصالة ذهابا وإيابا في انتظار الثالثة ميعاد النتيجة وقد تناولت أمي حبة مهدأ فجعلت رأسها ثقيلة متأرجحه علي الأريكة، وأنا في غرفه النوم أتحسس جانبي الأيمن وأشعر بنبض فيه كأنها حياة، أتمسك بقلم وأرسم سمكه كبيرة زرقاء بداخلها سمك صغير أحمر متناثر في كل أجزائها حتي الذيل..


شهور مرت بعد إجراء الجراحة ولكني أشعر بذات النبض في جانبي الأيسر وظهري وبطني، أكياس تتراكم، وأحلام الأسماك وعروس البحر تتكرر كل يوم، بالأمس حلما أمطرت السماء سمكا فضيا متلألأ دفعة واحدة وكانه متحرر من حبس طويل، ابتسمت واستيقظت متفائلة.
لم يصدق أبي أن الأمر قد وصل إلي هذا الحد ، لم تصدق أمي طبيعة المرض، وأنا أقنعهم أنني لن أستأصل أكياس أخري بعد الأن، فقد كتب لي الله أن تنبع الأسماك مني إلي البحر كي تحيا ولا تموت محبوسه في أحواض ضحلة، يربت أبي علي قلبي ويضمني، أضمه أنا أيضا وأقبله مؤكدة له أنني لا أتألم بكثره مجرد نبض متلاحق، فقط لا يقلق..


في الحلم وقفت علي الصخرة بجانبها بزعانف حقيقية مثلها وشعر مموج لم أعرف إن كنت أنا أم هي؟! علا صوت ضحكاتنا ونحن نقفز حد السماء ضاربين شباك الأسماك المحبوسة، بذيولنا لتندفع مره واحدة إلي البحر متحرره سعيدة، نتبعها إلي الأعماق وقد نفذنا المهمة في رحلة بحرية طويلة..

إسراء هيبة حورية قصة قصيرة

فن وثقافة

الفيديو