بلدنا نيوز
فن وثقافة

”محمود درويش” في ذكرى رحيله..ما زلنا نتغنى ”على هذه الأرض ما يستحق الحياة”

الشاعر الفلسطيني محمود درويش
الشاعر الفلسطيني محمود درويش

منذ أحد عشر عاما بالتمام والكمال، وفي مثل يومنا هذا التاسع من أغسطس عام، 2008 دخل الشاعر الفلسطيني محمود درويش، غرفة العمليات في مركز تكساس الطبي بالولايات المتحدة الأمريكية، لإجراء جراحة في قلبه، لكن هذا القلب الذي نذر نفسه دوما لمداوة الجرح العربي بكلماته، لم تقدر مشارط الأطباء على علاجه، فتوقف عن ضخ الدم، ليغيب درويش بجسده عن عالمنا، وكانت تلك الصدمة الأخيرة لدرويش، في حياته متعددة الصدمات.

ولأن البحار الهادئة لا تصنع ملاحا عظيما، فقد صنع البحر الثائر من درويش ملاحا أو بالأحرى شاعرا نموذجيا، فقد قص شريط حياته الشعرية عقب صدمة عنيفة، فتم تهجيره من قريته البروة التي ولد فيها عام 1941، وقيام دولة الاحتلال عام 1948، فخرج من قريته لاجئا إلى لبنان، كغيره من أبناء الشعب الفلسطيني، الذي حمل تراثه معه، وجعل من لبنان مركزا إبداعيا في المنطقة، ويقول الفنان اللبناني ملحم بركات عن ذلك أن "الفن اللبناني كان نتاجا للهجرة الفلسطينية إلى لبنان".

هكذا كانت حياة درويش تمر عبر مجموعة من الصدمات كونت حياته، وشكلت طريقته الشعرية الفريدة، ورغم كل ذلك ظل درويش يردد بأن هذه الأرض عليها ما يستحق الحياة، ونقشت عبارات من هذه القصيدة على شاهد قبره، ويقول: على هذه الأرض ما يستحق الحياة/ تردد إبريل، رائحة الخبزِ في الفجر، آراء امرأة في الرجال/ كتابات أسخيليوس، أول الحب/ عشب على حجرٍ، أمهاتٌ تقفن على خيط ناي/ وخوف الغزاة من الذكرياتْ....على هذه الأرض ما يستحقّ الحياةْ/ على هذه الأرض سيدةُالأرض/ أم البدايات أم النهايات/ كانت تسمى فلسطين/ صارتْ تسمى فلسطين/ سيدتي: أستحق، لأنك سيدتي، أستحق الحياة...

"أحن إلى خبز أمي"، يتغنى بها مارسيال خليفة من كلمات درويش، فظل الحنين يرواد درويش وهو في لبنان، حتى عاد لوطنه مرة أخرى، حاملا معه التراث الفلسطيني الذي رحل به، وظلت تلك الكلمات تلخص كثيرا من الحنين الذي أخرجه درويش في شعره.

وهو لا يزال في ربيعه التاسع عشر أصدر درويش ديوانه الأول بعنوان "عصافير بلا أجنحة" عام 1960، والذي تبعه بـ"أوراق الزيتون" 1964، ثم كتب "عاشق من فلسطين" عام 1966، والتي كتب أغلبها وهو في سجون الاحتلال، واصطبغ فنه الشعري بالثورة على الاحتلال في الوقت الذي كان العالم يموج فيه بثورات التحرر الوطني من الاحتلال الغربي، ويقود التيار القومي العربي النضال السياسي والعسكري في المنطقة.

وتوالت إصداراته التي شكلت خطا شعريا في القضية الفلسطينية، ولعل أهم تلك القصائد قصيدة "لماذا تركت الحصان وحيدا"، والتي جسد فيها الجرح الفسطيني، فيقول، إلى أين تأخذني يا أبي؟/ إلى جهة الريح يا ولدي/ وهما يخرجان من السهل/ حيث أقام جنود بونابرت تلاً لرصد/ الظلال على سور عكا القديم/ يقول أبٌ لابنه: لا تخف، لا/ تخفْ من أزيز الرصاص، التصقْ/ بالتراب لتنجو، سننجو ونعلو على جبل في الشمال، ونرجع حينَ/ يعود الجنود إلى أهلهم في البعيدِ/ ومن يسكن البيت من بعدنا/ يا أبي/ سيبقى على حاله مثلما كان/ يا ولدي/ تحسس مفتاحه مثلما يتحسس/ أعضاءه ، واطمئن. وقال لهُ/ وهما يعبران سياجاً من الشوك/ يا ابني تذكّرْ هنا صلب الإنجليزُ/ أباك على شوك صبارة ليلتين/ ولم يعترف أبداً. سوف تكبر يا/ابني، وتروي لمن يرثون بنادقهم/ سيرة الدم فوق الحديد/ لماذا تركت الحصان وحيداً.

ورغم تتمتع درويش بمسحة يسارية، إذ انتسب للحزب الشيوعي الإسرائيلي، وعمل في صحافته إلا إنه كان يمينيا في شعره، إذ حافظ على الإيقاع الموزون، ورغم اتجاه عدد كبير من الشعراء العرب للقصيدة النثرية في العقود الأخيرة للقرن الماضي، وحتى الآن، إلا أن درويش ظل مخلصا للقصيدة الموزونة التي جاءت نتاجا للتحولات الأدبية بعد الحرب العالمية الثانية، وهذا مما ميزه كثيرا عن غيره، ويقول درويش في إحدى روائعه "بطاقة هوية"، والتي أعلن فيها نزعته الثورية، سجل/ أنا عربي/ ولون الشعر فحمي/ ولون العين بني/ وميزاتي/ على رأسي عقال فوق كوفية/ وكفى صلبة كالصخر/ تخمش من يلامسها/ وعنواني/ أنا من قرية عزلاء منسية/ شوارعها بلا أسماء/ وكل رجالها في الحقل والمحجر/ يحبون الشيوعية...

وليس أدل على حفاظ درويش على الإيقاع الشعري، أكثر مما ذكره سليمان جبران في كتابه "نظم كأنّه نثر- محمود درويش والشعر العربي الحديث" أنه "في الحوارات الكثيرة مع درويش، وبعض المحاورين كانوا من شعراء قصيدة النثر البارزين، أقر بأن قصيدة النثر هي "الظاهرة الأبرز في الشعر العربي، وخلال العقدين الأخيرين بصورة خاصة"، إلا أنه لم يكتبها "لأنه لم يشعر بأن الوزن يقيده ويحجب عنه حريته في المغامرة"، وارتبطت قصائده بأسلوبه الرنان في الإلقاء الذي يمكن أن نطلق عليه "الأسلوب الدرويشي" الذي لا يستطيع أحد أن يكون نسخة منه.

ولم تنته الصدمات في حياة درويش ما بين التهجير والسجون الإسرائيلية التي دخلها عدة مرات ما بين أعوام 1961 لـ 1972، حتى إنه واجه تلك الصدمة في الحب، فأحب في شبابه فتاة يهودية إسرائيلية، من أب بولندي وأمّ روسية، دون أن يكشف عن اسمها، وهنا تولدت قصة حب عزف الشوق فيها إيقاعات فجرت طاقات درويش، وعرفت تلك الفتاة عن نفسها مؤخرا واسمها "تمار بن عمي، والتي كتب لها إحدى أجمل قصائده وهى "ريتا والبندقية"، فيقول، بين ريتا وعيوني.. بندقيهْ والذي يعرف ريتا، ينحني/ ويصلي/ لإلهٍ في العيون العسليّهْ/ وأنا قبّلت ريتا/ عندما كانت صغيره/ وأنا أذكر كيف التصقتْ/ بي، وغطّت ساعدي أحلى ضفيره/ وأنا أذكر ريتا/ مثلما يذكر عصفورٌ غديره/ آه .. ريتا/ بيننا مليون عصفور وصوره ومواعيد كثيره/ أطلقتْ ناراً عليها.. بندقيّهْ/ اسمُ ريتا كان عيداً في فمي/ جسم ريتا كان عرساً في دمي/ وأنا ضعت بريتا .. سنتينِ/ وهي نامت فوق زندي سنتين/
وتعاهدنا على أجمل كأس، واحترقنا/ في نبيذ الشفتين/ وولدنا مرتين...

وصاحب التميز الشعري لدرويش، تميزا نثريا، فتظل نقطة مضيئة في تاريخه الأدبي أنه كتب "إعلان استقلال فلسطين"، والذي نص على استقلال دولة فلسطين عن أرض فلسطين، وحدد القدس عاصمة أبدية للدولة، في 15 نوفمبر 1988، والذي تم إعلانه من الجزائر، وألقاه الزعيم الفلسطيني ياسر عرفات، وبدأت مرحلة جديدة في نضال الشعب الفلسطيني لتحرير أرضه.

الآن رغم مرور 11 عام على رحيل درويش، إلا أن نهجه الشعري ما زال ببصمة واضحا في الشعر العربي منذ ظهور قصيدة التفعيلة وتطورها، وكذلك في مسار القضية الفلسطينية التي تظل حية، طالما هناك هوية فلسطينية يعبر عنها الأدب والموسيقى والنضال، وهنا نختتم بقصيدة "الآن، إذ تصحو، تذكر"، والتي منها يقول درويش، والآن إذ تصحو، تذكر/ هل أسأت إلى منامك/ إن أسأت إذاً تذكر/رقصة البجع الأخيرة/ تُنسى، كأنك لم تكن/ تُنسى، كأنك لم تكن/ تُنسى كمصرع طائر/ ككنيسة مهجورة تُنسى/ كحب عابر/ وكوردة في الليل... تُنسى.

038ec126fd02f6f4a7885db5e8fc6258.jpg44e23d328b911e01c95f8863aadf1fb7.jpega35de166f3cd110217f42458b23a95cd.jpegb31668eced445a5e546f983703194753.jpeg
محمود درويش

فن وثقافة