بلدنا نيوز
مقالات الرأي

عصر اضمحلال الدراما !!

الكاتب الصحفي وسام سعيد
الكاتب الصحفي وسام سعيد

من المؤكد أننا لسنا أسرى الماضى أو متعصبون لزمن بعينه لو قلنا أن دراما أسامة أنور عكاشة ومحمد جلال عبد القوى وفيصل ندا ومحمد صفاء عامر هي النموذج الأمثل لما يجب أن تكون عليه الدراما التلفزيونية.
فماذا يريد المشاهد سوى أن يحظ بمتعة التسلسل والحبكة القوية والتعلق بشخصيات التى لا تنسى؟! ، ثم تأتي بعد ذلك قابيلة العمل الدرامي نفسه على الصمود والخلود حتى أنك تستطيع مشاهدته مئات المرات دون ملل على مدى سنوات وكأنك تشاهده لأول مرة؟.
تلك قناعات لا يختلف عليها اثنان، كما لا يختلفا على أن ما يُعرض فى السنوات الأخيرة على الفضائيات ليس إلا حالة من حالات الارتجال والتخبط الفنى تحت مسمى الإنتاج الدرامى الغزير ، فعدد المسلسلات التى يتم إنتاجها سنوياً يتخطى ما كان يتم إنتاجه في عشر سنوات.
السؤال: هل نعيش عصر الاضمحلال الدرامى؟!
هل انحسر هامش الإبداع فى الأفكار وكاريزما النجوم والأداء إلى المدى الذى يجعلك تشاهد العمل وتنجذب له وبمجرد انتهاء موسم عرضه لا يسعك تكرار مشاهدته ، أو الحديث عنه على المقاهى وفي البيوت كما كان يحدث مع الأعمال العكاشية الخالدة ؟!
أظن أن الأزمة الحقيقية ليست الآن أزمة إنتاج ، فضلاً عن أن حالة التكدس التى اكتظت بها الشاشة الفضية بعد انحسار الإنتاج السينمائى ، وأزمة السينما بعد ثورة يناير ، جعل معظم إن لم يكن كل نجوم السينما يتجهون إلى الدراما للحفاظ على صورتهم الفنية ونجوميتهم وأسمائهم.
لعلها أزمة كيف لا كم، فالدراما في العشر سنوات الأخيرة عبارة عن سباق بين أباطرة النجوم من الأعلى سعراً إلى الأدنى ، والبطولات أضحت ألقاب تمنح لمن يستحق ومن لا يستحق، لأعمال كفقاعات الصابون تعلو وتنتفخ ويزداد بريق ألوانها الزاهية ثم تنفجر في الهواء وتتبخر فلايبقى من أثرها شيء
وببساطة يمكن تلخيص أزمة إبداع الدراما في عدة عناصر:

١ - معادلة (قبَّض النجم والفكة للكومبارسات) :
حينما صار الإنتاج الدرامى يرتكن لفكرة منح مبلغ فلكي لنجم أو نجمة ، ثم اختيار فئة من أنصاف الممثلين والكومبارسات عديمى الموهبة ، منعدمي الطلة الفنية على الشاشة ويحيط بهم ذلك النجم فيتألق وحيداً ، ويغرد منفرداً في سباق الأعلى مشاهدة الذى يخوضه ضد غيره من النجوم.

٢ - اختفاء مهنة السيناريست:
ليحل محلها فكرة (ورش الكتابة) التى بدأت متوارية ثم تدحرجت وتضخمت ككرة الثلج حتى احتكرت المجال وسيطرت عليه ، وأعطت كتفا قانونياً لمهنة إبداعية وهى (السيناريست)، الورش تقدم لك أفكاراً جاهزة نمطية تعكس مجتمع السوشيال ميديا حرفيا دون التماس مع قلب الشارع وما ينبض به
تلك الأفكار النمطية الجاهزة يكتبها في الورش عدد من الكتاب المبتدئين الذين يجربون أقلامهم على المشاهد ويتدربون عليه، فيلقوا بإسهاماتهم ومحاولاتهم الإبداعية ويتم تنقيحها بما يسمى Brainstorming، فيتم ما يشبه الترقيع أو (تأييف) الفكرة لتصبح مقبولة للمشاهد، وللإنصاف فإن من هذه الأفكار من يصيب ويصل لدرجة الإجادة ولكن أغلبها بلا عمق أو تأثير لأنه سريع وخفيف وغير منطوى على قراءة حقيقية للواقع … وكده يبقى (السينارست) أو الكاتب الدرامى الله يرحمه نقرا عليه الفاتحة كلنا !!

٣ - دراما الأغنياء :
رغم وجود العديد من الأعمال التى صورت ورسمت ملامح الحارة المصرية والأوساط الشعبية وهى منطقة إبداعية وتيمة تشع أفكاراً متميزة في حد ذاتها ، إلا أن ثمة اتجاه جديد طغا على الأعمال الدرامية وصار حتمياً، وهو خروج العمل الدرامى نظيفاً لا يحمل مشاهد فقر أو عشوائية.
وذلك فى حد ذاته لا يدخل في نطاق الخطأ الفني ، بشرط أن يكون موظفاً بشكل جيد ويخدم الدراما ، مثل: ڤيلا (دولت) و(حافظ) في الشهد والدموع ، وسرايا (البدرى) و(نازك السلحدار) في ليالى الحلمية ، وقصر مفيد أبو الغار في (الراية البيضا) ، وحياة الدكتور (برهان وممتاز محل) في (أرابيسك) .
لكن أن تتحول معظم المسلسلات لمرآة تعكس حياة (الكومباوندات) ويصبح كل الأبطال رجال أعمال يتلاعبون بالمال ويركبون أفخم السيارات ، وتصبح كل السيدات خريجات جامعة أمريكية ، لدرجة أغوت عملاق من عمالقة الدراما مثل يحيى الفخرانى بكل تاريخه أن يلقى بنفسه فى يد (ورش الكتابة) لتعطيه بطولة عمل هزيل مثل (بالحجم العائلى) ليعكس معاناة مصطنعة لمجتمع (الكومباوندات)
فكل البنات خلال الـ casting لابد أن تمتلك ذلك (اللسان المعووج) والذى يرطن بلهجة مصرية جديدة مفتعلة، امتلكت براءة اختراعها أولاً (ريهام حجاج) ثم فتحت الباب بعدها لعشرات من الفتيات اللاتى احترفن هذه اللهجة، ليحدث تكتدس فى دور (بنت الناس) الغنية الدلوعة.
وكانت النتيجة أنك تحرم كمشاهد من نجمات شابات ولكن يقفن على ناصية الإبداع مثل (هند صبرى) و(منة شلبى) لصالح الكثيرات من أنصاف المواهب ، لمجرد أنهن يتقن (لهجة بنت الناس).
حتى حينما أراد صناع الدراما تقديم حياة الموظف البسيط فى أبو العروسة ، قدموه يعيش في ڤيلا بحديقة غناء تضيء مصابيحها ليل نهار وتفتح بابها لاستقبال كل أبطال المسلسل فى أي وقت.

٤ - المط والتطويل غير الاحترافى:
المط والتطويل له أصول ، ولا مانع منه حيث أن الدراما لها جانب تجارى كصناعة ، ولابد من مراعاة الجانب الترويجى لها ، ولكنه كأي شيء إن زاد عن حده انقلب لضده
أصبح المنتج الآن بالاتفاق مع المخرج وبطل العمل (وهم ثلاثى مجلس إدارة العمل الدرامى) يضعن اللمسات الأخيرة على السيناريو مع الطرف الرابع وهو مدير ورشة الكتابة وجيشه من براعم الموهوبين ، ليضمن مط وتطويل يضع الحبكة الدرامية وبداية العمل ونهايته فى ٣٠ حلقة إن لم يكن ٤٠ أو ٦٠ ولم لا وكل حلقة أصبحت في ميزان من ذهب داخل خضم مرعب من الإعلانات والتسويق على عشرات الفضائيات المصرية العربية.

٥ - غزو الأكشن:
لكل مقام مقال، وتللك قاعدة ذهبية كانت تنطبق بنسبة كبيرة على الفرق بين الإنتاج الدرامى والسينمائى ، فـ (تيمة) الأكشن لم تكن تليق بالشاشة الفضية التى تضع المشاهد في حالة استرخاء وأَسْر يليق بفكرة تسلسل الحلقات وتتابعها، فتجد نفسك على استعداد لتقبل أفكار قيمة وعميقة وربما تربوية .
وكان (الأكشن) هو شعار السينما حينما كانت أفلام عادل إمام وأحمد زكى ، ثم من حملوا راية (الچان) بعدهم كأحمد السقا وأحمد عز وكريم عبد العزيز ، ثم أخيراً محمد رمضان.
لذلك كان غزو (الأكشن) للدراما التلفزيونية التى تدخل البيوت أمر له خطورته وعواقبه الوخيمة ، وأثره على ثقافة العنف والدموية التى حملها للبيوت ومن هم دون الـ 18 ربيعا.

٦ - عودة نظرية (المشاهد عايز كده):
حينما كنت تجد فى العصر الذهبى للدراما وخلال موسم واحد عملاً كبيراً يعرض على القناة الأولى بوليسياً مثل (رأفت الهجان) وآخر اجتماعى ينافسه مثل (المال والبنون) يعرض على الثانية، وبجانبهما عمل كوميدى وآخر أشبه بسيت كوم مثل رائعة يوسف عوف (ساكن قصادى) ، وآخر تاريخى مثل (الفرسان) أو (عمر بن عبد العزيز) أو (القضاء في الإسلام) ، فهذا دليل دامغ على أن التنوع يعكس ذائقة المشاهد الفنية ، وأن القاعدة التى تحكم الإنتاج الدرامى هى الارتقاء بذوق المشاهدين.
لكن انحسار الدراما فى تيارين أساسيين لا ثالث لهما : إما تيمة الثأر والانتقام والخيانة أو الكوميديا والسيت كوم، لدرجة أنك تشاهد ٢٠ عملا وكأنه عمل واحد من فرط تشابه المضامين ، فهذا يعيدنا لنظرية قديمة ولكنها مجدية في الدراما كصناعة وسلعة رائجة وهى : نظرية (المشاهد عايز كده)
وكمثال بسيط: عشرات المسلسلات التى تحكى عن الصعيد والثأر وتهريب الآثار وجميعها يقدم مضموناً واحداً ، في مقابل توليفة (صعيد) رائعة تغزل قصص رومانسية فى قالب الثأر والخيانة باحترافية لا يقدر عليها إلا كاتب في وزن محمد صفاء عامر، وإلا فابحث معى عن وجه شبه بين مسلسل كـ (ذئاب الجبل) وبين آخر كـ (الضوء الشارد) !!

وأخيراً … ونحن مقبلون على السباق الدرامى الرمضانى السنوى… هل أكون سوداوياً ومتشائماً لو قلت أن عناوين الأعمال المقدمة لا تكاد توحى بحالة إبداعية من طراز مختلف يعيش مع جمهور الدراما للأبد؟!
هل أنا مبالغ فى وصف تللك الفجوة الرهيبة بين عصر الدراما الذهبى وبين ما يقدم اليوم من أعمال تحمل الكثير من الإمكانيات والقليل من الإبداع؟
وهل نحن نحيا بالفعل عصر اضمحلال الدراما؟!

بلدنا نيوز مصر عصر اضمحلال الدراما وسام سعيد هوجان

مقالات الرأي